الشيخ محمد رشيد رضا

34

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والجواب عن هذه الشبهة ان دعوى التواتر ممنوعة ، فان التواتر عبارة عن إخبار عدد كثير لا يجوز العقل اتفاقهم وتواطأهم على الكذب بشيء قد أدركوه بحواسهم إدراكا صحيحا لا شبهة فيه ، وكان خبرهم بذلك متفقا لا اختلاف فيه ، هذا إذا كان التواتر في طبقة واحدة رأوا بأعينهم شيئا ( مثلا ) وأخبروا به . فإن كان التواتر في طبقات كان ما بعد الأولى مخبرا عنها ، ويشترط ان يكون أفراد كل طبقة لا يجوز عقل عاقل تواطؤهم على الكذب في الاخبار عمن قبلهم ، وان يكون كل فرد من كل طبقة قد سمع جميع الافراد الذين يحصل بهم التواتر ممن قبلهم . وان يتصل السند هكذا إلى الطبقة الأخيرة ، فان اختل شرط من هذه الشروط لا ينعقد التواتر . وأنى للنصارى بمثل هذا التواتر ، والذين كتبوا الأناجيل والرسائل المعتمدة عندهم لا يبلغون عدد التواتر ، ولم يخبر أحد منهم عن مشاهدة ، ومن تنقل عنه المشاهدة كبعض النساء لا يؤمن عليه الاشتباه والوهم ، بل قال يوحنا في إنجيله ان مريم المجدلية وهي اعرف الناس بالمسيح اشتبهت فيه وظنت انه البستاني . وهو قد كان صاحب آيات ، وخوارق عادات ، فلا يبعد أن يلقى شبهه على غيره ، وينجو بالتشكل بصورة غير صورته ، كما رووا عنه أنه قال لهم إنهم يشكون فيه ، وكما قال مرقس انه ظهر لهم بهيئة أخرى . ثم إن ما عزي إليهم لم ينقله عنهم عدد التواتر بالسماع منهم طبقة بعد طبقة إلى العصر الذي صار للنصارى فيه ملك وحرية يظهرون فيهما دينهم . وقد بين الشيخ رحمة اللّه الهندي وغيره انقطاع أسانيد هذه الكتب بالبينات الواضحة . وسيأتي في هذا السياق ما يدل على عدم الثقة بها ( الشبهة الثانية ) يقولون لو لم تكن هذه القصة متواترة متفقا عليها لوجد فيهم من أنكرها كما وجدت فيهم فرق خالفت الجمهور في أصول عقائده كالتثليث ولم تخالفه في هذه العقيدة والجواب عن هذا عسير على من يجهل تاريخهم ، يسير على المطلع عليه ، فقد أنكر الصلب منهم فرقة السيرنثيين والتاتيانوسيين اتباع تاتيانوس تلميذ يوستينوس الشهيد وقال فوتيوس انه قرأ كتابا يسمى رحلة الرسل فيه أخبار يطرس ويوحنا واندراوس وتوما وبولس ، ومما قرأه فيه « ان المسبح لم يصلب ولكن صلب غيره وقد ضحك